مادورو يمثل أمام القضاء الأمريكي والعالم يترقب تداعيات اعتقال غير مسبوق

مادورو يمثل أمام القضاء الأمريكي والعالم يترقب تداعيات اعتقال غير مسبوق
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو- أرشيف

تتجه الأنظار، اليوم الاثنين، إلى نيويورك، حيث يمثل الرئيس الفنزويلي المعزول نيكولاس مادورو أمام محكمة أمريكية، في تطور غير مسبوق أعاد خلط الأوراق السياسية والقانونية في أمريكا اللاتينية وعلى الساحة الدولية. 

وجاءت جلسة المحكمة بعد يومين من عملية عسكرية أمريكية خاطفة نُفذت داخل فنزويلا، أسفرت عن اعتقال مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، ما أدخل البلاد في حالة من الضبابية السياسية وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن الشرعية والتداعيات.

وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، اليوم الاثنين، فإن اعتقال مادورو تزامن مع تصعيد حاد في لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لم يستبعد توجيه ضربات عسكرية إضافية إذا لم تستجب الحكومة الفنزويلية المؤقتة للمطالب الأمريكية، وعلى رأسها فتح قطاع النفط أمام الشركات الأمريكية ووقف تهريب المخدرات.

تهديدات وتصعيد إقليمي

في تصريحات أدلى بها للصحفيين، أمس الأحد، أكد ترامب أنه قد يأمر بشن ضربة أخرى إذا لم تتعاون فنزويلا مع واشنطن، ملوحاً بإجراءات عسكرية أوسع نطاقاً قد تطول أيضاً كولومبيا والمكسيك، كما أشار إلى أن النظام الشيوعي في كوبا يمر بمرحلة ضعف، معتبراً أنه يقترب من الانهيار من تلقاء نفسه.

هذه التصريحات التي جاءت قبل ساعات من مثول مادورو أمام القضاء أثارت قلقاً إقليمياً واسعاً، في ظل صمت رسمي من سفارتي كولومبيا والمكسيك في واشنطن اللتين لم تصدرا أي تعليق فوري بخصوص التهديدات الأمريكية.

وكانت قوات أمريكية قد نفذت يوم السبت عملية عسكرية في العاصمة الفنزويلية كراكاس، انتهت باعتقال مادورو بعد مداهمة وُصفت بأنها دقيقة وسريعة، وأكدت الإدارة الأمريكية أن العملية جاءت في إطار إنفاذ القانون، بهدف محاسبة مادورو على تهم جنائية وُجهت إليه منذ عام 2020، تشمل التآمر في تهريب المخدرات وجرائم ذات صلة بالإرهاب.

غير أن ترامب أقر بأن الاعتقال لم يكن مدفوعاً فقط بالاعتبارات القضائية، مشيراً إلى عوامل أخرى لعبت دوراً أساسياً، منها تدفق المهاجرين الفنزويليين إلى الولايات المتحدة، وقرار فنزويلا قبل عقود تأميم المصالح النفطية الأمريكية.

نحن نتولى زمام الأمور

خلال عودته إلى واشنطن على متن طائرة الرئاسة، قال ترامب إن الولايات المتحدة تستعيد ما وصفه بما سُرق منها، مؤكداً أن بلاده تتولى زمام الأمور في فنزويلا، وأضاف أن شركات النفط الأمريكية ستعود إلى البلاد لإعادة بناء قطاع النفط، متوقعاً استثمارات بمليارات الدولارات لاستخراج النفط من باطن الأرض.

وعكست الأسواق العالمية حالة من الترقب، إذ ارتفعت أسعار النفط بشكل طفيف وسط تداولات متقلبة، في حين سجلت أسواق الأسهم في آسيا مكاسب محدودة، في ظل تقييم المستثمرين لاحتمالات التصعيد العسكري الأمريكي في فنزويلا.

رغم اعتقال مادورو، لا تزال الحكومة الفنزويلية تمارس مهامها في كراكاس، ويظهر كبار المسؤولين تحدياً واضحاً للضغوط الأمريكية، وقالت ديلسي رودريجيز، نائبة الرئيس التي تولت مهام الرئاسة المؤقتة، إن مادورو لا يزال الرئيس الشرعي للبلاد، نافية تصريحات ترامب بشأن استعدادها للعمل مع الولايات المتحدة.

وتُعد رودريجيز التي تشغل أيضاً منصب وزيرة النفط من أبرز الشخصيات المحسوبة على التيار البراغماتي داخل الدائرة المقربة من مادورو، ما يضعها في موقع حساس في ظل الضغوط الدولية المتزايدة.

ملف قضائي معقد

يواجه مادورو البالغ من العمر 63 عاماً اتهامات خطرة بتقديم الدعم لجماعات كبرى لتهريب المخدرات، منها منظمة سينالوا الإجرامية وعصابة ترين دي أراجوا، ويقول ممثلو الادعاء الأمريكيون إنه أشرف على إدارة طرق تهريب الكوكايين، واستغل الجيش الفنزويلي لتأمين الشحنات، واستخدم مرافق رئاسية في عمليات النقل.

وتم تحديث لائحة الاتهام يوم السبت لتشمل زوجته سيليا فلوريس المتهمة بإصدار أوامر بالخطف والقتل، وينفي مادورو جميع هذه الاتهامات، في حين تشير التقديرات إلى أن محاكمته قد تستغرق عدة أشهر.

تصف الولايات المتحدة مادورو بأنه حاكم مستبد يفتقر إلى الشرعية منذ إعلانه الفوز في انتخابات عام 2018 التي شابتها، بحسب واشنطن، مخالفات جسيمة، وفي المقابل رفض ترامب فكرة تنصيب زعيمة المعارضة الفنزويلية الحائزة جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو، معتبراً أنها لا تحظى بالدعم الكافي.

وكانت ماتشادو قد مُنعت من الترشح لانتخابات عام 2024، لكنها أعلنت أن حليفها إدموندو جونزاليس يمتلك تفويضاً شعبياً لتولي الرئاسة، وهو ما أيده بعض المراقبين الدوليين الذين قالوا إنه فاز بأغلبية ساحقة.

مجلس الأمن تحت الاختبار

على المستوى الدولي، أثار اعتقال رئيس دولة أجنبية جدلاً واسعاً بشأن احترام القانون الدولي، ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً اليوم الاثنين لمناقشة العملية الأمريكية التي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنها سابقة خطِرة.

واتهمت روسيا والصين، إلى جانب حلفاء آخرين لفنزويلا، الولايات المتحدة بانتهاك القانون الدولي، في حين التزم حلفاء واشنطن موقفاً أكثر حذراً، مكتفين بالدعوة إلى احترام القانون الدولي دون توجيه انتقادات مباشرة.

وقال ريتشارد جوان، مدير شؤون القضايا والمؤسسات الدولية في مجموعة الأزمات الدولية، إن ردود فعل القادة الأوروبيين توحي بأن حلفاء الولايات المتحدة سيسعون إلى المناورة داخل مجلس الأمن لتجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن.

جدل قانوني

أكد متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن أنطونيو غوتيريش يرى في العملية الأمريكية سابقة خطيرة، في حين يرى عدد من الخبراء القانونيين أن الإجراء غير قانوني، في المقابل تراهن واشنطن على قدرتها على تعطيل أي تحرك داخل مجلس الأمن لمحاسبتها.

واستشهد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتس بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تتيح حق الدفاع عن النفس، معتبراً أن مادورو زعيم غير شرعي ومتورط في تهديد الأمن الأمريكي من خلال المخدرات والتحالف مع دول وجماعات معادية.

على مدى العشرين عاماً الماضية، شهد اقتصاد فنزويلا التي كانت يوماً من أكثر دول أمريكا اللاتينية ازدهاراً انهياراً حاداً، دفع واحداً من كل 5 فنزويليين إلى مغادرة البلاد في واحدة من كبرى موجات الهجرة في العالم، ويرى مراقبون أن إزاحة مادورو الذي حكم البلاد لأكثر من 12 عاماً بعد وفاة هوغو تشافيز قد تزيد من حالة عدم الاستقرار في دولة يبلغ عدد سكانها 28 مليون نسمة.

تعد قضية اعتقال نيكولاس مادورو أول حالة في التاريخ الحديث تُقدم فيها قوة كبرى على تنفيذ عملية عسكرية لاعتقال رئيس دولة ما زال يتمتع بسلطة فعلية داخل بلاده، وتأتي هذه الخطوة في سياق توتر طويل بين واشنطن وكراكاس، بدأ مع تصاعد الخلافات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وملف النفط وتهريب المخدرات.

ويثير هذا التطور أسئلة قانونية معقدة تتعلق بمبدأ سيادة الدول، وعدم استخدام القوة في العلاقات الدولية، والاستثناءات التي يتيحها ميثاق الأمم المتحدة، وبينما ترى واشنطن أن ما قامت به يندرج ضمن الدفاع عن أمنها القومي، يحذر منتقدون من أن سابقة كهذه قد تفتح الباب أمام فوضى قانونية في النظام الدولي، وتعيد رسم حدود التدخل العسكري والسياسي بين الدول.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية